موقف الأمير مشاري بن معمر من الدعوة :

حينما وصل خبر مقتل الأمير عثمان بن معمر إلى الشيخ في الدرعية قرر السفر إليها فوصلها في ثالث يوم لمقتل عثمان الموافق 15 رجب عام 1163هـ.

وكان بعض المتحمسين للدعوة والذين اشتركوا في قتل عثمان قد طلبوا من الشيخ ألا يولي عليهم أحداً من آل معمر خوفاً من أن يتعرضوا للانتقام منهم، ولكن الشيخ لم يرض بهذا التوجه، سيما أن إمارة العيينة هي لأهلها آل معمر فرشح مشاري بن إبراهيم بن معمر أميراً فيها.



وفي العام نفسه الذي ولي فيه مشاري إمارة العيينة قاد بنفسه جيش الدعوة استمراراً للقيادة المعمرية - إذ أسلفنا أن ابن عمه عثمان كان الأمير على جيش الدعوة.

وفي الجيش عبد العزيز بن محمد بن سعود على رأس قوة من أهل الدرعية وتوجه الجيش إلى ثرمداء ، فبلغ أهلها خبر ذلك الجيش فاستعدوا له وطلبوا العون من أهل أثيثية ومرات فتم لهم ذلك، ورتب جيش الدعوة أسلوب الكمين في تلك الموقعة، وعندما التحم الفريقان ظهر الكمين على أهل ثرمداء ، وكان عنصر المفاجأة حاسماً إذ قتل منهم 25 رجلاً ومنهم أمير أثيثية وبعض رجاله وسميت تلك الموقعة بالوطية وكان أغلب القتلى حول قصر الحريص الذي تحصن فيه أهلها عام 1161هـ أثناء موقعة البطين. ورجع جيش الدعوة سالماً بعد تحقيق الانتصار في تلك الموقعة.

وفي عام 1165هـ قاد مشاري بن معمر جيش الدعوة من أهل العيينة والدرعية ولم يكن عدد الجيش كبيراً، واتجهوا إلى الخرج وحينما وصلوها استولوا على أغنام أهل الدلم ثم انقلبوا راجعين، فلما علم أهل الخرج جهزوا سرية فيها مائة رجل ولحقوا بمشاري ومن معه، وأدركوهم في (عفجة الحاير) وحصل بينهم رمي بالبنادق من بعيد ثم التحموا في معركة شرسة انتهت بهزيمة أهل الخرج، وقتل منهم نحو ثلاثين رجلاً ، وغنم مشاري وجيشه كثيراً من الإبل والسلاح وعادوا إلى بلدانهم.

وفي العام نفسه قاد الشيخ سليمان بن عبد الوهاب قاضي حريملاء وشقيق الشيخ محمد بن عبد الوهاب هو وبعض زعماء حريملاء تمرداً ضد الدرعية ، وعزلوا أمير البلد محمد بن عبد اللّه بن مبارك وأخرجوه منها ، فرحل إلى الدرعية. وأخبر الشيخ محمد بصنيع أخيه سليمان ومن يدور في فلكه من أهل حريملاء. ولقد لجأ المتمردون من أهالي حريملاء إلى الحيلة حيث طلبوا من أميرهم ابن مبارك العودة إلى حريملاء وأعلنوا ولاءهم للدعوة، وبعد أن عاد إليها قتلوه، ثم استعدوا للمواجهة مع الدرعية وقاموا بتحصين البلد وأحاطوها بسور وعرضوا على أمير العيينة مشاري بن معمر الانضمام إلى تمردهم ذلك، ليستفيدوا من إمكانات بلده، ولترجيح ميزان القوى لصالحهم، ولكن أمير العيينة رفض العرض وأكد ولاءه للدعوة ولامهم على هذا التصرف.

ودارت عدة مواجهات غير حاسمة بين حريملاء والدرعية واستمر ذلك التمرد ثلاث سنوات. وفي أثنائه نشط الشيخ سليمان بن عبد الوهاب وبذل جهداً كبيراً وسعى لاستمالة أهل العيينة والتشكيك في دعوة أخيه وأرسل رسالة مع سليمان الخويطر لأهل العيينة عام 1167هـ تحرضهم على معارضة الدعوة، واستطاع أن يؤثر على بعض أهلها. فلما علم الشيخ بذلك أمر بقتل ابن خويطر فقتل، ولم يثن مقتل الخويطر عزم سليمان بن عبد الوهاب في استمالة أهل العيينة، وأرسل رسائل عديدة ، ثم كتب الشيخ محمد رساله مطولة لأهل العيينة رد فيها على ما ورد في رسائل أخيه إليهم .وانتهى الأمر بهزيمة المتمردين والاستيلاء على حريملاء من قبل عبد العزيز بن محمد بن سعود في يوم الجمعة السابع من جمادى الآخرة عام 1168هـ .

وبعد هذه السنة جرت مواجهات ووقعات عديدة بين جيش الدعوة وخصومها ولا أستبعد مشاركة أمير العيينة وأهل بلدة في تلك المواجهات، ضمن قوات وجيوش الدعوة وإن تأكد مشاركة أهل العيينة في موقعة الغفيلي عام 1168هـ .

وفي عام 1172هـ زحف عريعر بن دجين حاكم الاحساء بجيشه إلى نجد واستنفر عريعر أهل الرياض والوشم وسدير والخرج والمحمل بالإضافة إلى بني خالد وعنزة وحاصر حريملاء، وحصلت بينهم مواجهة لم تكن نتائجها في صالحهم، عندها حاصر عريعر بتلك الجموع بلدة الجبيلة، وكان بها حوالي 500 مقاتل من أهلها وأهل العيينة وبعض أهل الدرعية، ووقعت بينهم وبين عريعر وقواته مصادمات انتهت بقتل ستين رجلاً من قواته مقابل عشرة قتلى من أهل الجبيلة. بعدها قرر عريعر الرحيل وإنهاء حملته تلك على نجد دون تحقيق أيّ مكاسب تذكر.

وفي عام 1173هـ أي بعد سنه تقريباً من اندحار قوات عريعر أمام الجبيلة عزلت الدرعية أمير العيينة عن منصبه وعينت بدلاً منه سلطان بن محيسن (عبد المحسن) بن معمر الذي كان قد انضم إلى الشيخ في الدرعية عام 1157هـ، وحينما تطرق ابن غنام لهذه الحادثة قال : «عزل الأمير محمد والشيخ، مشاري بن معمر عن إمارة العيينة لأمور كثيرة ثبتت عنه شينه، وقدم الشيخ العيينة تلك الأيام وأمّر سلطان بن محيسن المعامرة على من بها من سائر الأنام ، وأمر بهدم قصر آل معمر، فهدم ذلك القصر لما حقق عليه الشيخ الأمر ».

وبعض عبارات ابن غنام السابقة مبهمة وغير واضحة إلا أن اقتران عزل مشاري بهدم قصر آل معمر ثم تعيين أمير معمري من المتحمسين للدعوة والمقيمين في الدرعية وإشراف الشيخ محمد بن عبدالوهاب شخصياً على ذلك، وفي ثاني خروج له من الدرعية، إذ الأول عندما جاء للعيينة عام 1163هـ لتعيين أمير بعد مقتل عثمان، والثاني عام 1173هـ عندما جاء للعيينة لنفس الغرض كل هذا يدل على احتمالين لا ثالث لهما :

الاحتمال الأول :

ربما أن مشاري سار على خطى ابن عمه عثمان للإتجاه إلى تهميش دور المعارضين لآل معمر في العيينة، ورغبته بأن يكون القرار فيها مستقلاً تحت زعامته ودون تدخل ، وأن تستمر له قيادة جيوش الدعوة، مثلما كانت لابن عمه عثمان، كما تم له في أول إمارته، ولم يكن يريد الانفصال أو التخلي عن الدعوة إذ لو أراد ذلك لكانت الفرصة لديه قائمة حين عرض عليه أهل حريملاء الانضمام لتمردهم عام 1165هـ، أو كان أنضم إلى حملة عريعر على الجبيلة عام 1172هـ .



الاحتمال الثاني :

أن الشيخ بهذا الإجراء قصد إنهاء وجود إمارة آل معمر كإمارة مستقلة ممكن أن تلعب دور المنافس مستقبلاً لزعامة الدرعية، وبعزل مشاري عن إمارة العيينة وانتقاله مع أولاده إبراهيم ومحمد وأولاد ابن عمه الأمير عثمان : ناصر بن عثمان وأخيه عبد اللّه وأولادهم للدرعية بدأت شمس إمارة آل معمر في العيينة تؤذن بالأفول حيث أصبحت إحدى البلدان التابعة للدرعية مع بقاء إمارة معمرية تنفيذية فيها يرأسها أحد أفراد أسرة آل معمر المتحمسين للدعوة. ولا نعرف المدة التي قضاها سلطان ابن معمر في إمارة العيينة، ولكن يظهر أن الإمارة المعمرية لم تنقطع من العيينة إلا بعد عام 1225هـ، حيث أنه في عام 1223هـ كان بالعيينة قاض وهو عبدالرحمن بن نامي ومادام بها قاض فهي كثيرة السكان ولابد من وجود أمير فيها أيضاً.

عود على بدء فعندما تطرق مؤلف لمع الشهاب لاجراءات الدرعية في العيينة قال : «حتى مضت على ذلك - يقصد مقتل عثمان - تسع سنوات أمره - يقصد الشيخ محمد عبد الوهاب أمر عبد العزيز بن محمد بن سعود رحمهم اللّه - حينئذ بغزوهم، فركب عبد العزيز على العيينة بأربعة الاف محارب فدخلها بالسيف، وقتل منهم خلقاً كثيراً. وكتب لمحمد بن عبد الوهاب كتاباً يخبره بأمره فيهم، فأمره أن اخرجهم من بلادهم كلاً وجمعاً، ثم هدم السور والبيوت، وخرب البساتين وقطع النخيل .. ففعل حسبما أمره به ..».

وقد كذّب محقق كتاب لمع الشهاب الشيخ عبد الرحمن آل الشيخ ما أورده مؤلف الكتاب من كلام وضعفه، بالرغم من أن مؤلف الكتاب اتفق إلى حد ما مع ابن بشر وابن غنام بأنه حصل هدم في العيينة، وأن ذلك تم بعد مقتل عثمان بتسع سنوات.